جلال الدين الرومي

88

فيه ما فيه

لله وليست منا ، فكل شئ ملكه وله ، كما يحدث في الربيع تزرع الناس وتخرج إلى الصحراء وتسافر وتشيد الدور وكل هذا عطاء الربيع ومنحه وإلا لظلّوا محبوسين في منازلهم ودورهم . إذن فالحق أن هذه الزراعة والتنزه والتنعم كله ملك الربيع ، أنعم بها على الناس ، والناس ينظرون إلى الأسباب ويحسبون الأعمال من تلك الأسباب ، لكن الأولياء انكشف لهم أن الأسباب ما هي إلا حجاب يحجب المسبب فلا يرونه ولا يعلمون كشأن من يتحدث من وراء حجاب فيظن الناس أن الحجاب هو الذي يتكلم ولا يدرون أن الحجاب معطل من العمل وليس غير لثام ، وحين يرون أنّ الصوت يأتي من وراء الحجاب يعلمون أن الحجاب ما هو إلا ذريعة وحجة . وأولياء الحق يرون أن الأفعال تؤى وتقضى خارج أسبابها كالناقة التي انشق عنها الصخر ، وعصا موسى التي صارت ثعبانا ، وتفجر الحجر اثنتي عشرة عينا ، وكما فعل المصطفى حين شق القمر بإشارة دون ذريعة ، وكشأن آدم بدون أبوين ، وعيسى بدون أب ، وإبراهيم غدت النار عليه وردا وروضا إلى ما لا نهاية . فلما رأوا ذاك علموا أن الأسباب ما هي إلا ذريعة ، وأن الصانع على الحقيقة هو الله وليست الأسباب غير حجاب لينشغل بها العامة . وعد الحق - تعالى - زكريا بأنه سيهبه ولدا فصاح أنا عجوز وزوجي عقيم ، وضعفت آلة شهوتي وبلغت زوجتي مبلغ عدم الحمل والوضع فكيف ستلد هذه المرأة قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [ سورة آل عمران الآية 40 ] فجاءه الرد قد جهلت يا زكريا بيت القصيد ، وقد أظهرت لك مرارا الأعمال خارج أسبابها فنسيت وجهلت أن الأسباب ما هي إلا ذرائع